الأستاذة ضاوية كربوس

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم: الاستاذة ضاوية كربوس

جُبل الإنسان على مواجهة المخاطر والمستجدات منذ الأزل، وكنيَ بسيد المخلوقات لهذه الميزة، والتعامل الالكتروني أو الحوكمة الالكترونية التي ظهرت مع ظهور التعامل الالكتروني في فترة التسعينات في الدول المتقدمة، تعد حاليا شكل من الأشكال المهمة التي يواجه بها البشر الوضع الراهن ليستمر بقاؤهم، لذا اشتدت الحاجة إلى هذه المزية التكنولوجية غير المتاحة للجميع مع هذا المستجد العالمي، العدو الخفي المتخذ من الإنسان مطية لتنقلاته وبقائه

قد نجح فيروس كورونا؛ وطال عمره واجتاح العالم بأسره دون أن يفرق بين بلد متطور وبلد نامي أو فقير، مما أدى إلى فرض التباعد الاجتماعي والحجر الصحي، فانفصلت البلدان عن بعضها البعض وأوقفت شركات الطيران وألغيت كل أشكال التعاملات المباشرة بينها، كما توقفت أيضا التعاملات بين أفراد وجماعات البلد الواحد، حيث أغلقت دور العبادة والمدارس والجامعات وكذا المحلات التجارية والنقل العمومي، وعليه فإن التعامل الالكتروني هو البديل الملح الذي اعتمده الإنسان أفرادا وهيئات، وهو متاح بنسب متفاوتة تفرضها نسبة التطور التكنولوجي لكل بلد وما أكثر البلدان التي تعرف تأخرا في هذا المجال الحيوي والذي يفرض نفسه اليوم كحل طارئ، لتجاوز بعض تبعات الأزمة المستجدة التي حطمت اقتصاديات أعظم الدول وخلفت خسائر بشرية بآلاف الأرواح، ومادية بالملايير من الدولارات، كما أثارت الهلع والرعب بين الناس مما تسبب في مشاكل نفسية

 وعلى غرار العالم؛ تمر الجزائر منذ شهرين بفترة عصيبة، جراء اكتشاف العديد من الحالات الحاملة لفيروس كورونا، وعلى إثرها طُبق الحجر الصحي الجزئي وغلقت أبواب كل المرافق التي تعرف تجمعات كبيرة من المواطنين، كالمدارس والجامعات والنقل العمومي والمساجد والمحلات التجارية، ولاجتياز الأزمة؛ ولأن الحياة لابد لها من استمرار، اعتمد الجزائريون شعبا وحكومة - بالرغم من المعيقات والنقائص- على التعامل الالكتروني أو التقارب الالكتروني، للتسوق والتعلم ولكسر العزلة والتواصل مع الأقارب والأصدقاء والأحباب والاطمئنان على صحتهم وأحوالهم

إن التجارة الالكترونية في الجزائر بعدما كانت جد محتشمة فيما مضى، عرفت في الشهرين الأخيرين حركية نشيطة، واتخذت أشكالا مختلفة تتجاوز بها عقبة الدفع الالكتروني غير المتاحة، فبعد غلق محلاتهم التجارية مصدر رزقهم ومورد الناس لشراء حاجياتهم من مشرب ومأكل وملبس وكتاب ودواء، كان لابد من التصرف وإيجاد منطقة وسيطة كعادة الإنسان عند كل أزمة، فمن جهة لجأ التجار إلى المواقع الالكترونية لاستقطاب الزبائن بتقديم خدمة توصيل السلع في غياب دور البريد غير المعد كذلك بطريقة تسهل التجارة الالكترونية الحقة، ومن جهة أخرى لجأ المواطن إلى التسوق الالكتروني في المواقع الالكترونية التجارية وكذا على مواقع التواصل الاجتماعي، ليتواصلوا مع التجار ومندوبي المبيعات وطلب ما يريدونه ليصلهم إلى البيت ويتم البيع والشراء، أما التسليم والتسلم يكون يدا بيد والدفع يكون أيضا نقدا، بالرغم من ذلك فإن احتمال التعرض للاحتيال وارد كما حدث في ولاية سكيكدة أين تم القبض على زوجين شابين يقومان بالاحتيال على المواطنين والتجار على حد سواء

طال التعامل الالكتروني كل نواحي الحياة في ظل الوباء، فبعد التجارة يأتي التعليم، حيث تم إنتاج برامج تقدم دروسا عبر التلفزيون الجزائري، موجهة إلى كل الأطوار التعليمية لاستدراك الدروس، وتحسبا للعودة في حال انحصار الوباء، كما تم على مستوى التعليم العالي خلق منصات الكترونية للتعلم عن بعد، ووضع المحاضرات في فضائها لتكون في متناول الطلبة، كما يتم استغلال مواقع التواصل الاجتماعي في ذلك أيضا؛ عن طريق إنشاء مجموعات خاصة لمناقشة الأعمال التطبيقية وتقييمها من طرف الأساتذة، كما يقوم الطلبة بجمع البيانات لاستكمال مذكرات التخرج إلكترونيا في انتظار موعد مناقشتها مع استحالة التقائهم بأساتذتهم المشرفين

وعلى المستوى الأعلى للدولة؛ الحكومة والوزارات، يتم عقد اجتماعات مهمة وعن بعد، واتخاذ قرارات رسمية على إثرها، كما تقدم المرافق الثقافية نشاطات ثقافية وترفيهية متنوعة على مواقعها الالكترونية وكذا منصات التواصل التي تصل إلى غالبية المواطنين، كما تقوم التكتلات الوطنية المختلفة بتدارس مسودة الدستور عن بعد باستغلال مواقع التواصل الالكترونية

ويستمر التقارب الالكتروني في الجزائر بكل فضائله التي يقدمها ونقائصه التي يحاول الجميع تجاوزها ونتمنى الأفضل لهذا البلد الكريم الذي يستحق الوقوف على قدميه بعد عقود من الاستنزاف، وهو أمر ممكن بعزيمة أبنائه بتطوير هذا المجال الحيوي مستقبلا ابتداء من معالجة بطء تدفق النت وانعدامها أحيانا وتطوير البريد ورقمنة الخدمات المختلفة خاصة الدفع الالكتروني بجميع صيغه لنحظى بحوكمة إلكترونية متكاملة تنفعنا وقت الأزمات، وترتقي بنا وقت الرخاء، أما حاليا ومع المعيقات ما علينا سوى رفع سقف الآمال، ومن واجب الجميع دون استثناء الإصرار على التشبث بالمتاح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعزيمة ووطنية مقاتلة

د. سعيد بوطاجين       

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 مرايا عاكسة 

الأدب والأوبئة

بقلم: سعيد بوطاجين 

 

الأوبئة دائما: أحالتني رسالة الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا ميلاندري (1964) التي تناولت موضوع جائحة كورونا في مارس 2020، إلى الأوبئة التي حصلت عبرالتاريخ البشري، وإلى مختلف النصوص التي تناولتها، سواء بالعودة إلى الواقع الموضوعي، أو باستباق الأحداث بمهارة الرائي. كانت رسالة هذه الروائية موجعة، ولابدّ أنها قدمت درسا مهمّا للكتّاب والمثقفين بالنظر إلى جرأتها وقوتها، وذاك ما نحتاج إليه في هذه السياقات. المجتمعات ليست بحاجة إلى فن وحسب، إنها بحاجة إلى مواقف إنسانية تخلص العالم من جنون القادة والأثرياء، وبحاجة أيضا إلى تقويض كثير من قناعاتها وأوهامها الموروثة، أو تلك التي صنعتها لنفسها. أمّا الكتاب والشعراء والمثقفون فجزء من هذا الوهم الكبير لأنهم تخلوا عن رسالتهم الدنيوية ليصطفوا إلى جانب الملوك، كما لو أنهم امتداد لهذه الفئة في جهة ما، أو عبارة عن كائنات من الورق لا تعيش سوى في الكتب مثل القوارض، كما ورد في زوربا الإغريقي، دون أن تنتبه إلى ما يحتاج إليه الإنسان في أرض استولت عليها رؤوس الأموال ليصبح الشرّ موجها للقيم، وللفكر والثقافة.

    ظهرت الأوبئة إذن في فجر الخلائق، غير أنها لم تدوّن دائما لاعتبارات واضحة، ومع ذلك قد نجدها متواترة في عدة كتب سماوية، وفي عدة مدوّنات لاحقة، تاريخية وأدبية، مع تباين كبير في ضبط أسبابها، علميا ودينيا، وفي تأثيراتها على البنى الاجتماعية والاقتصادية، وعلى النسيج الاجتماعي العام. لقد كان الطاعون مثلا، وفق ما ذكره الباحث أحمد العدوي، أحد أسباب سقوط الدولة الأموية، وذلك عندما قرر العباسيون إعلان ثورتهم بين طاعونين كبيرين ضربا الشام والعراق في منتصف القرن الثامن ميلادي. كان ذلك القرن مميزا، إذ شهد ظهور الوباء عشرين مرّة، ما أدّى إلى تفكك كثير من العناصر التي كانت متكأ للناس، بما في ذلك انهيار الجانب الأخلاقي ليظهر الإنسان على حقيقته البدائية. كما عرف المغرب طاعونا مدمّرا في عهد السلطان مولاي سليمان الذي حكم في الفترة الممتدة ما بين سنة 1792  و1822، وقد خلف آلاف الضحايا.

             وقبل ذلك ظهر الطاعون الأنطوني من سنة 165 م إلى سنة 180م، وتذهب الدراسات التاريخية إلى أنه كان يخلف بمعدل 60 ألف ضحية شهريا، مع اختلاف واضح في فهمه وقراءته، واقعيا وعقائديا. لقد ورد في العهد القديم، كأحد النصوص التي قرأت هذه الأوبئة بطريقتها، وتحديدا في نبوءات إرمياوأشعيا أنه عقاب رباني للبشر الذين خالفوا كلام الخالق ووصاياه، وذاك ما يمكن استنتاجه من قوله: "ولكن إن لم تسمع لصوت الرب إلهك لتحرص على أن تعمل بجميع وصاياه وفرائضه التي أنا أوصيك بها اليوم، تأتي عليك جميع هذه اللعنات وتدركك، ملعونا تكون في المدينة، وملعونا تكون في الحقل، ملعونة تكون سلتك ومعجنك، ملعونة تكون ثمرة بطنك وأرضك، نتاج بقرك وإناث غنمك، ملعونا تكون في دخولك، وملعونا تكون في خروجك".

              في حين اختلف المسلمون في تسويغ أسباب العلّة التي ضربت عدة أقطار عربية، قديما وحديثا. هناك من رأى أن الميت بالطاعون شهيد كبقية الشهداء الذين ورد ذكرهم في القرآن، وأن الصابر عليه إنسان يشبه المرابط في سبيل البارئ، كما ورد في الحديث النبوي الشريف. في حين عدّه فقهاء آخرون بمثابة عقاب من الخالق لعباده الضالين الذين أهملوا الرسالة، كما يحصل في السنين الأخيرة بخصوص قراءة الأمراض والزلازل والفيضانات والأعاصير، بحيث يتعذر القبض على الرأي إلا بالعودة إلى المرجعيات الدينية أو الخرافية أو الأنثروبولوجيا، أو العلمية في أغلب الأحيان، خاصة في بعض الطرح الغربي الذي عادة ما لا يبني في التفسير والتأويل على المسائل الغيبية، مع ذلك فهناك من يربط الأوبئة بانتقام الربّ (الطوفان في التوراة، وفي المصحف الشريف)، وبخاصة من كان مؤمنا بالكتاب.

من المعروف، من الناحية التاريخية، أنه تمّ إلغاء مناسك الحجّ سنة 1814 بسبب الطاعون الذي ضرب المنطقة، كما شهدت الفترة الممتدة ما بين 1837، 1892 وفاة آلاف الحجاج بسبب المرض ذاته. يضاف إلى ذلك ظهور وباء الكوليرا في عدة سنوات متقاربة أحيانا، ومتباعدة أحيانا أخرى. لقد شهدت فترة 1817، 1824 مأساة حقيقية بظهور الكوليرا الآسيوية الشهيرة، كما سميت آنذاك بالعودة إلى مصدرها، وقد انطلقت من الهند لتمتد إلى عدة مناطق في العالم، بدءا بجنوب آسيا، مرورا بالشرق الأوسط، وصولا إلى شرق أفريقيا وساحل البحر الأبيض المتوسط، لتصل إلى الصين عام 1831، وفي 1816 ظهرت الأنفلونزا الإسبانية التي أدت إلى وفاة الآلاف.

             عاد وباء الكوليرا للظهور مرة أخرى في سنة 1863، ويعتقد، حسب بعض المراجع، أنه تسبب في مقتل عشرة آلاف ضحية عندما مسّ الحجاز وبعض مناطق الشرق الأوسط، لينتقل بعد ذلك، إلى عدة جهات: روسيا وأوروبا وأفريقيا، ومع الوقت غدت أوروبا وروسيا وشمال أمريكا مركزا له، مع أنه انطلق من كالكوتا الهندية، وفي كلّ مرة كان الداء موضع جدال ما بين رجال الدين والعلماء الذين فسروه وفق رؤاهم العلمية والدينية، ووفق استثمارات سياسية أو أيديولوجية في بعض الحالات، لكن المقاربات ظلت متباعدة أحيانا، متقاربة، ومتضادة أيضا بسبب القناعات والمعتقدات التي تعاملت مع الوباء.

الأوبئة والأدب: من الناحية الأدبية فقد استغلت هذه الأوبئة المتجذرة في التاريخ بدرجات مختلفة، سواء في الشعر أو في النثر أو في الإعلام، وكان الشاعر والفقيه والنحوي ابن الوردي (1292 ــ 1349)، صاحب كتاب "تتمة المختصر في أخبار البشر"، أحد هؤلاء الذين كتبوا عن الطاعون الذي ضرب الشام ومعرة النعمان حيث ولد، وبعد يومين من كتابة قصيدته توفي بالداء نفسه. لذا قيل إنه قام برثاء نفسه قبل الوقت، أو أنه كان يحسّ بدنوّ أجله فترك مرثيته. كما كتبت الشاعرة العراقية نازك الملائكة ( 1923 ــ 2007) نصها الشهير الذي يحمل عنوان: الكوليرا، وهي تتناول موضوع انتشارها في المشرق العربي، وفي مصر، ومما ورد فيها هذه المقاطع: "سكن الليل/ أصغ إلى وقع صدى الأنّات/ في عمق الظلمة، تحت الصمت، على الأموات/ صرخات تعلو، تضطرب/ حزن يتدفق، يلتهب/ يتعثر فيه صدى الآهات...".

 إلى جانب ذلك الرواية الشهيرة لألبير كامو (1947) التي تجري أحداثها المأسوية في مدينة وهران الجزائرية، و تحمل العنوان نفسه. "الطاعون" لألبير كامو حاصلة على جائزة نوبل، وقد طبعت بآلاف النسخ ( تجاوزت 160 ألف نسخة)، قبل أن تشهد عشرات الترجمات وتطبع بملايين النسخ في كل أرجاء العالم بالنظر إلى قيمتها الكبرى في وصف العلة من منظور عميق. الرواية فلسفية، وعبثية، وقد عرف هذا العمل رواجا كبيرا في إيطاليا بعد انتشار وباء كورونا، بحسب ما تداولته الصحف ومنصات التواصل، وهي تعالج فكرة القدر ومسألة الوضع البشري الهشّ بطريقة راقية اشتهر بها كاتب رواية الغريب. وقبل كامو كتب عنه عميد الأدب العربي طه حسين (1889-1973) في سيرته الذاتية التي تحمل عنوان الأيام (1929)، وذلك بعد وفاة شقيقه بسبب وباء الطاعون الذي عصف بالبلد.

          كما نجد في الأدب المعاصر عدة أعمال أدبية ناجحة ركزت على هذه الأوبئة بدرجات فنية ورؤيوية متفاوتة، ناقلة أو متأملة ومستشرفة الأحداث، كما لو أنها عايشتها أحيانا. نشير مثلا إلى الكاتب والطبيب السوداني أمير تاج السر (1960) في رواية "إيبولا 76" التي نشرت سنة 1912، وهي تعالج علاقة عاطفية في ظل انتشار الوباء، غير أن الحكاية التي بنت عليها، وفعل الخيانة كتيمة مهمة، هيمنا على النص، ولم يتركا مجالا كبيرا للعلة لتظهر بشكل جليّ، إلا في ما يشبه الخلفية البارزة. الأحداث تجري في أجواء تراجيدية وسمت النص الذي كتب بمهارة، وبتوثيق جليّ لما حصل، أو سيحصل.

وهناك الكاتب الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز (1927 ــ 2014)، صاحب جائزة نوبل، ورواية مائة عام من العزلة في رائعته "الحب في زمن الكوليرا" (1985) التي عرفت صدى كبيرا ومتابعة استثنائية. الرواية مدهشة حقا، وهي عبارة عن قصة عاطفية غريبة تجري أحداثها في منطقة الكاريبي، ومع تقدم سنّ الشخصيتين الأساسيتين، تتقوّى العلاقة لتغدو خيالية، ومثالية إلى حد بعيد، إلى أن ترفع راية الوباء في الخاتمة كتدليل على الأزمة الحادة التي ستظهر بجلاء لتقوّض كثيرا من الأوهام البشرية.

أمّا أحمد خالد توفيق، الكاتب والمترجم والطبيب والإعلامي المصري (1962 ــ 2018) فتكهن في أحد نصوصه بظهور المرض في الصين الشعبية، وكان يشير، بنوع من الدقة المتناهية، إلى الفيروسات القاتلة في بلد غريب استطاع أن يجمع ما بين الخنزير والدجاجة في مساحة واحدة، وبشكل لافت، إذ كتب بكثير من اليقين المتقدم عن الأحداث اللاحقة، وببصيرة الرائي المتقد البصيرة: "كلّ فلاح صيني يخفي في حظيرته مختبرا خطيرا للتجارب البيولوجية، وفي هذه الحظيرة تنشأ أنواع فيروسات فريدة لم نسمع عنها من قبل"، وهو تنبؤ أصبح معروفا لدى القراء، ومتداولا بكثرة في أوساط النخب التي لم تنتبه جيدا إلى الظاهرة.

           وقد نجد في الأدب العالمي روايات وقصصا خيالية، أو روايات رعب مثيرة تطرقت إلى تفاصيل شبيهة بما نعثر عليه في النصوص الكلاسيكية التي تحدثت عن المستقبل قبل الوقت، كرواية 1984 للكاتب الإنجليزي جورج أورويل، أو رواية مزرعة الحيوان للكاتب نفسه، أو رواية "الأم" لمكسيم غوركي. ثمة، في هذه النصوص أعمال استبقت الأحداث، كرواية "نهاية العالم" للكاتب ستيفن كينغ (1947) التي يتحدث فيها عن ظهور أنفلونزا جديدة ستنتشر بقوة، أنفلونزا معدّلة في مخابر عسكرية أمريكية تشتغل سرّا، وسيغدو هذا الفيروس لاحقا سلاحا بيولوجيا مدمّرا يخلف آلاف الضحايا حيثما حلّ، وسيكون الناس عاجزين عن السيطرة عليه لسرعة انتشاره وغرابته. الرواية هذه تطرح، قبل الوقت، مشكلة وجودية انطلاقا من تمظهرات الواقع السياسي والاجتماعي، ورغم أنها خيالية، إلا أنها تتقاطع، في جزء كبير منها، مع المحتمل، أو مع ما يمكن أن تقوم به الأنظمة تكريسا لمنظوراتها المنافية للأخلاق والقيم.

هذا النص العارف ذكر جزئيات تكاد تكون واقعية، لمن يعتقد بأن الأمراض قد تصنع في مخابر متخصصة لأغراض اقتصادية أو مالية، أو بهدف تغيير خريطة العالم وفق مشيئة القوى الكبرى التي عادة ما تراهن على المال والقوة لتثبيت ذاتها. سيقدم لنا كتاب: "لماذا يكذب القادة" لجون جي ميرشايمر، صورة دقيقة عمّا يحدث في الخفاء، وما بين القادة، بعيدا عن مدارك الأمم الخاضعة، أو تلك التي تثق بخطاب المسؤولين. كتاب نهاية العالم منعرج غريب في الكتابة عن الأوبئة الممكنة. لذا نصحت جريدة "الأندبندنث" البريطانية من يؤمنون بنهاية العالم قريبا بالاطلاع عليه نظرا لقيمته الكبرى في الطرح، وفي التعامل مع الواقع والممكن، مشيرة، في آن واحد، إلى أنّ الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب قد يكون، بحسب التجليات، أحد الأطراف المشاركة في قيام حرب نووية أو فيروسية تأتي على ما أنجزته الحضارة عبر السنين، ومن ثمّ إمكانية قضائه على الحياة برمتها.

         نشير، في هذا المقام إلى اهتمامات الكاتب البرتغالي خوزي ساراماغو ( 1922 ــ 2010). لقد كتب رواية "العمى" سنة 1995، مركزا على مرض غريب يصيب البشر فجأة، دون أن يعرفوا سببه أو مصدره. اسم هذا الداء، بحسب الرواية، العمى الأبيض. سيسعى المسؤولون بسببه إلى فرض الحجر الصحي على الساكنة في مشفى معزول عن المدينة، ومع تزايد المصابين تتفكك القيم والروابط الاجتماعية قاطبة، ويتعرى المجتمع ليكشف عن حقيقته الخفية التي طالما بقيت مجهولة. مع ذلك سيظل بعض الأفراد الملتزمين يعملون على تحقيق المصلحة العامة كقيمة إنسانية خالدة، بعيدا عن القطيع الذي يتسبب في فوضى يتعذر التحكم فيها. الرواية رمزية في جوهرها، لكنها تستمد حقيقتها من الفرضيات، من هذه النظرة الثاقبة للمجتمعات في تشكلاتها، من حقيقتها المضمرة التي لا يكشف عنها القول والظاهر كسمتين غالبتين على السلوك البشري. تقول زوجة الطبيب في خاتمة الرواية، معلقة على هذا الكائن الغامض الذي يسمى الإنسان: " لا أظن أننا أصبنا بالعمى، بل أظن أننا عميان بإمكانهم أن يروا، غير أنهم لا يرغبون في ذلك".

           وهناك، إلى جانب هالة العمى، رواية الكاتب الأمريكي دين كونتز( 1945) الموسومة: "عيون الظلام"، وهي رواية عارفة صدرت عام 1981. أمّا ما يميزها عن غيرها فهو التفصيل الدقيق في الأحداث التي تتطابق أحيانا مع علامات كورونا المستحدثة. لقد تطرق الكاتب، ببعض الغرابة، إلى ظهور فيروس غريب في مدينة ووهان الصينية، لينتشر بعد ذلك بشكل يتعذر السيطرة عليه طبيا لغموضه وسطوته وقوته الفتاكة، وبصرف النظر عن الجانب الرمزي للكتاب، فإنه يتنبأ بالوباء، ببعض المتغيرات التي تدخل في باب الخيال، مع أنها تبدو من صميم الواقع. أمّا كيف ركز على مدينة ووهان فتلك مسألة قد تكون ذات علاقة بمعايناته، أو بقراءاته المركبة وتجربته التي استطاعت تحديد مكان الوباء بدقة متناهية، كما لو أنه كان يعيش في المستقبل والحاضر معا. هناك معرفة كبيرة، وعبقرية أيضا، ما جعلت الكاتب يتنبأ بتفاصيل يصعب الوصول إليها بكتابة ظرفية، وتبسيطية.

              قبل ذلك بكثير كتب القاص والشاعر والناقد الأمريكي إدغار ألان بو (1809 ــ 1849)، رائد القصة القصيرة في العالم، قصة بعنوان "قناع الموت الأحمر" (1842)، وقد تحدث فيها عن هذا الوباء الغريب الذي أصاب البلدة كلها، ما يضطر الأمير إلى الاحتماءبالدير للنجاة من الموت، لكنّ شخصية متنكرة ستزور المكان والغرف تباعا (الموت الأحمر)، وهكذا يصاب الأمير والضيوف ويموتون. القصة فلسفية، كما يبدو، وهي تتطرق إلى القدر، وإلى المصير المؤكد للجميع. وقبل إدغار ألان بو بكثير ألّف الإيطالي جيوفاني بوكاتشيو كتاب: "ديكاميرون"، وهو تحفة ذائعة الصيت، وموضوع عدة دراسات غربية. كما يمكن الإشارة، في هذا السياق، إلى رواية "مجلة الطاعون" للكاتب الإنجليزي دانيال دينو (1660 ــ 1736)، أحد مؤسسي الرواية الإنجليزية، وصاحب تحفة: روبنسون كروزو" الشهيرة، ومقولة: " جيش من الخرفان يقوده أسد، أفضل من جيش من الأسود يقودها خروف".المؤلف يتناول فيه هذا الوباء بإحاطة لافتة، رغم أنه كتب قبل أزيد من ثلاثة قرون.

              وتتفق بعض الأعمال، أو أغلبها، على ثنائية الخير والشرّ التي تتحكم في العنصر البشري منذ القدم. أمّا الأغرب في ذلك فإنّ جلّ النصوص جعلت الحبّ مركزا للمرويات، كما فعل ماركيز، مع ما يميزها من تناول قضايا إنسانية خالدة، وأغلبها يتعلق بسقوط القيم، ظهور النزعة الفردانية، التضحية العبثية، ضياع المجتمعات، تراجع الخير، وهيمنة القوى البورجوازية الشريرة على مجتمعات اتسمت بالنزعة البدائية، وبالرغبة في التنازل عن القيم السامية لفائدة قناعات جديدة لا تخدم الإنسان. هل هذا يعني أنّ ثمة روايات، رغم طابعها الخيالي المحض، استبقت وقتنا للحديث عن أوبئة قادمة، وذلك بقراءة صيرورة الواقع قراءة متأنية، وعارفة بطبيعة حركة التاريخ وتفاصيلها؟ ربّما كانت هذه النصوص قريبة جدا من السياسة والمجتمعات، وعارفة بنزوع مراكز القرار التي تخطط لأهم التحولات التي يشهدها التاريخ، ولذلك أفلحت في إدراك الحقائق والأحداث المحتملة قبل حصولها بأعوام.

          هذه النصوص العارفة لا تؤسس على السفاسف العابرة بقدر ما تهتمّ بالجواهر التي قد تتواتر مرارا، بالنويات الثابتة إن نحن استعرنا مصطلح الشكلانيين الروس، مستثمرة في المسائل الاقتصادية والفكرية والفلسفية الضاغطة، في جينات الحدث، وذلك لتقديم صورة دقيقة عن المضمرات، عن الكامن في الأعماق القصية، وهي تفضح، بنوع من اليقين المبني على رؤية متقدمة، الحقيقة البشرية كما هي، بصرف النظر عن التجليات اللفظية، وعن العلامات المضللة التي تسم الخطاب المسوّق من القادة والمسؤولين عبر الوقت، ومن المثقفين المترهلين الذين يقيمون في الأوراق والحواسيب، أو يبنون على الكسل العقلي، دون يتوغلوا في مكوّنات الفعل، في مصادره ومآلاته الممكنة.

          ستأتي أوبئة أخرى لا محالة، طبيعية أو مصنعة في المخابر المتخصصة في إنتاج الحرب والجوع والخراب والموت، ومن وظائف الأدب والفن والإنسان أن يشنّ عليها حربا استباقية لإنقاذ القيم السامية التي تحافظ على كرامة الجنس البشري، وذلك أنفع من الأدب الإباحي الذي تقف وراءه مؤسسات فظة لا تعنيها سوى الأموال والكتابات السطحية. الأدب ليس ترويحا عن النفس، أو ناطقا رسميا باسم جهة ما، وليس ذيلا لأية جماعة ضاغطةترغب في تكريس العبث واللاجدوى. إنه أرقى من هذه التصورات التبعية، وأكثر رقيا من هذه الضحالة التي يعيشها، مكتفيا بالتشريفات والأموال والجوائز.

 

 

 

 

بقلم: د. جمال لعبيدي

 

للحجر الصحي بسبب كورونا فضائل لا تقتصر على المجال الصحي وحده. لدينا الوقت، أو بالأحرى، لدى الذين لا يعانون مشاكل البقاء اليومي الوقت. لم يسبق، ربما في أي مكان على سطح الأرض، أن فكر الناس في معنى الأشياء والحياة بهذه الحدة، كأننا لم نفكر بالفعل أبدا، مستغرقين في دوامة يومياتنا. الجو اليوم في العالم جو إبداع، تنتقل فيه الأفكار عبر طرق الاتصالات بسرعة الضوء. هذا التفكير سيفضي حتما إلى شيء ما، نظرا للضخامة البادية على الذكاء الجماعي حاليا: ويكيبيديا عملاقة.
يعود الطيور إلى المدن. أمر مؤثر: أسمعها تزقزق في الحي السكني لأول مرة منذ مدة طويلة. يغمرني شعور غريب كما لو كنت أتفاعل معها. قد نصبح أكثر معقولية في المستقبل...
في البلاد، في كل مكان، نجتمع مساء كل يوم لمتابعة أرقام تطور الوباء ومقارنتها بأرقام بلدان أخرى. نفس الأحاسيس، نفس الارتياح عندما نلاحظ أن الوباء لم ينفجر، وخاصة نفس الشعور الأخوي الذي يتقاسمه جميع الجزائريين بلا شك، الممزوج بالشفقة على الضحايا وكأنهم نحن.

 

نعم للحجر، لا للحجر...
الحجر هو الكارثة الاقتصادية، بدون الحجر تقع الكارثة الصحية. لم يسبق أن عشنا معادلة كهذه. ما هي الحلول؟ يجري البحث لإيجاد حلول توفيقية بين المطلبين. النبأ السار هو تراجع ذاك الصلف، الذي ظهر في بعض البلدان عبر محاولة التضحية بكبار السن على مذبح المتطلبات الاقتصادية. لكن المشكل الاقتصادي باق ومقلق للغاية ولا ينبغي غض الطرف عنه. الفيروس يمارس التمييز العمري والبعض يقترح رفع الحجر عن الشباب أولا: قد يكون هذا أحد الحلول، لكن كيف يطبق؟
الحياة الاقتصادية تمارس، من جانبها، تمييزا آخر، التمييز الاجتماعي، على مستوى انعكاسات الحجر الصحي، البطالة، ظروف السكن والهشاشة الاجتماعية، بصورة عامة. هناك تطاحن بين الإحيائي والاجتماعي. إنه وضع غير مألوف ويتطلب حلولا غير مألوفة. هل البشرية على موعد مع منعرج في مسارها التاريخي؟
ها هي ذهنية القلعة المحاصرة. الفيروس يحوم خارج الجدران. يجب أن نغادر الحجر يوما ما، أن نخرج ونجابه العدو، أن نجابه الفيروس وجها لوجه. لحظة هذيان.

 

من سخريات التاريخ
عودة إلى الواقع. من سخريات التاريخ: كل هذا يحدث في الوقت الذي يشهد العالم عجزا ديمقراطيا أو يشعر بالحاجة إلى ديمقراطية أعمق وأحدث. في كل مكان، برزت حركات شعبية، "حراكات "، راحت تنمو ويشتد عودها بمساعدة شبكات التواصل الاجتماعي، أي بفضل التنمية التكنولوجية. هل في هذا حل لذاك المشكل؟ هل نتوقع أن تعاني الديمقراطية السياسية من الوضع الراهن ما دامت، من حيث التعريف، تعتمد على الحوار، على حرية التعبير وتجلياتها، بما فيها المظاهرات والتجمعات؟ كيف التوفيق بينها وبين الحجر؟، مشكل آخر مستجد: هل ستتولى شبكات التواصل الاجتماعي مسؤوليته؟ كأن التكنولوجيات الجديدة جاءت في الوقت الذي لا نملك بديلا عنها.
في فرنسا الآن التعليمة الرسمية تنص على أن يكون الشخص خارج بيته مقنعا، مغطى ومرتديا قفازات أيضا. أمر يبعث على التبسم. لنتذكر تلك الحملات الشعواء، الجنونية، التي جندت مجموع الطبقة السياسية الفرنسية أو يكاد ضد الحجاب، النقاب، لصرف انتباه الناس عن المشاكل الحقيقية. عجبا ! ألم يعد غطاء الوجه خطرا على الأمن الوطني، مؤشرا على اضطهاد وتعبيد المرأة... كم يبدو كل ذلك سخيفا اليوم بعد أن جاءت كورونا ووضعت النقاط على الحروف.
لا شيء كان يبدو قادرا على وقف قوات التدخل الغربية، خاصة أبرز رموزها وهي حاملات الطائرات. سخرية التاريخ هنا كذلك: حاملة الطائرات "ثيودور روزفلت" وحاملة الطائرات "شارل ديغول" متوقفتان بفعل... كورونا، التي أجبرتهما على العودة إلى مرفئيهما من أجل الحجر.
بعض النخب من بلاد المغرب وإفريقيا عموما تعودت على التنقل للعلاج، في رحلة شبه سرية، إلى باريس. الجزائر معنية أيضا بهذا الأمر، بالرغم من نوعية السلك الطبي في البلاد، وحتى العديد من المنشآت الاستشفائية، سواء في القطاع العام أو في القطاع الخاص. كان هؤلاء يشدون الرحال لمجرد إصابة بالشلال أو فتق أو بروستاتة. ومهما حاول الأطباء الفرنسيون إقناعهم بأن ما يقومون به بإمكان زملائهم الجزائريين القيام به، إلا أنهم كانوا يعيدون الكرّة المرة تلو الأخرى. وها هو عدد هام من هؤلاء وجد نفسه عالقا بالخارج، متلبسا جنحة الارتياب في بلده، مرعوبا جراء انتشار الوباء بسرعة البرق في فرنسا وأوروبا ومستعجلا العودة إلى البلد. وها هم الآن يرغون ويزبدون ضد حبهم السابق الذي خيب ظنهم، ضد "بلدان أوربية لا تملك كمامات ولا وسائل الكشف وتتصرف مثل آخر بلد متخلف". آه كورونا آه...

 

العلم والسياسة
الأطباء العامون ماجين غادين على التلفزيونات الفرنسية. إنهم ينتقمون من الاختصاصيين والأساتذة، انتقام فاقدي الرتب وضباط الصف من الضباط السامين والجنرالات. الجدل محتدم. كل واحد يطمح إلى إنقاذ العالم، يقترح حلا أو يعتقد أن فرصة البروز قد لاحت أخيرا. السجال حول الأستاذ رؤولت، وعلاجه يأخذ أبعادا سياسية، دون أن نعرف من المستهدف بالضبط، أهو الشخص أم العلاج. ولكن لماذا لم يشكل الأستاذ رؤولت مجموعة شاهدة، التي يتطلبها المنهج العلمي؟ لغز محير.
عندما تختلط السياسة بالعلم، نكون أمام مؤشر على أزمة عميقة في المجتمع، على بلبلة تنم عن تراجع العقلاني أمام العقائدي، بل وحتى الخرافي. العقل الديكارتي الشهير يتلقى ضربة جسيمة، ويعود جو الأوبئة والذعر الذي ميز العصور الوسطى. هناك من يؤمن بعلاج ما وهناك من لا يؤمن. وهناك من يطالب بحق المريض في اختيار علاجه بنفسه. وهناك من ذهب إلى حد إجراء سبر آراء عدد من الفرنسيين بشأن العلاج المقترح من الأستاذ رؤولت، في حين نشر وزير سابق للصحة - وهو طبيب - عريضة على الانترنت تأييدا لنفس العلاج...
في ظل العجز المسجل على مستوى الكمامات، تقدم أطباء وحتى بعض الأساتذة من المقربين جدا من صناع القرار، ليقولوا في التلفزيون بأن " الكمامات غير نافعة للأصحاء "، الأمر الذي أثار سخط زملائهم. الفضيحة كبرت وتحولت إلى فضيحة سياسية. موقف السلطة من قضية الكمامات ازداد تعقيدا بالرغم من التفسيرات المقدمة: من يخلط في الخطأ يعمقه. بعض الأطباء والأساتذة يجازفون في الكلام تحت وطأة كثرة الظهور، وبعضهم الآخر يستسلم للجو النفسي المضطرب الذي يسود في الوقت الراهن. الفيروس مجهول وهم يقولون أي شيء بشأنه، مثل عامة الناس، والناس يكتشفون أن الطبيب شيء والعلمي شيء آخر.
كل مساء، على الساعة الثامنة، يصفق السكان من شرفاتهم لتشجيع السلك الطبي. كانت البداية من إيطاليا، ثم انتشر ذلك في أوربا. العالم يقر بالجميل. في الجزائر أيضا، لم يسبق أن حاز سلك مهني ما على هذا القدر من المحبة والاحترام. إنهم أبطال ساحة المعركة ضد كورونا، بطولة جديدة، يومية، بعيدة عن قرع الطبول.

الأستاذ رؤولت

الأستاذ رؤولت يزداد شهرة في البلاد المغربية والإفريقية، لاسيما وأنه صرح مؤخرا أن " لا علم فرنسي من دون الباحثين المهاجرين أو المغتربين العرب والأفارقة ". لهذا الأستاذ هيئة الفنان والعالم في آن واحد. سبق أن وجهت له أكثر من مرة، حسب ويكيبيديا، تهمة الغش والتلاعب بالمعطيات العلمية. وجرى منعه من النشر، في 2006، في مجلة الجمعية الأمريكية للبيولوجيا. ومع ذلك، له معجبون بين الشباب بسبب مقاومته للأعراف. وكدليل على تفتحه الذهني، بالمقارنة مع الموقف السائد في فرنسا، يشار إلى أنه يكون قد عارض منع الحجاب في معهده، وهناك فيديو متداولة على نطاق واسع بالجزائر. إنه يقول كذلك بأن " الأفارقة والعرب أكثر عملا وأحسن تكوينا وهم الأفضل ". طق ! للذين لا يتوقفون عن النواح على " منظومة التكوين المنكوبة " ولا يعترفون بأفضالها إلا عندما تسمح لهم بالعمل والاعتراف في الخارج. إن ما يقوله الأستاذ رؤولت يرفع من شأننا، بالتأكيد، ولكن هناك مشكل. والمشكل هو أن الأستاذ رؤولت ومعهده، " المعهد الإستشفائي – الجامعي للبحر المتوسط "، يعملان عمل المضخة الجاذبة لهجرة الكفاءات، وبالتالي لنهب مواردنا البشرية التي كلف تكوينها أثمانا باهظة. قد يسرع البعض إلى تكرار الرد المعتاد بأن ذلك سيعود علينا بالفائدة مستقبلا. غير أن هذه الفائدة طال قدومها عشرات السنين. المعهد المذكور مؤسسة ضخمة، ممولة بصورة رئيسية من طرف السلطات الفرنسية، من بينها الجيش. وهي ذات طاقة تفوق الغرض منها وتقع قبالة إفريقيا وتعمل كآلة لإنتاج المنشورات. وقد أمضى فيها العديد من العلميين الجزائريين الشباب فترات تدريب بتوجيه من أساتذتهم الجزائريين. وهي تمثل للراغبين في المغادرة وسيلة هامة جدا تمكنهم من الحصول بسرعة على تأشيرة ونشر بعض الدراسات، تمهيدا للاندماج في الخارج وذلك إلى تاريخ ظهور... كورونا، على الأقل. في المقابل، سمح كل ذلك للمعهد وللأستاذ رؤولت شخصيا بالاستفادة من شبكة تعاطف متينة في بلاد المغرب، يتجلى أثرها اليوم عبر الثقة الممنوحة للعلاج الذي يقترحه وعبر التأييد الذي يحظى به الأستاذ نفسه.
في فرنسا ترتفع حاليا أصوات تطالب الجيش بالتدخل، مصرحة بأن تسيير الأزمة الصحية ثم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية عن قريب، يتطلب وجود سلطة حقيقية " مركز قيادة، مارشال فوش ". للتذكير، فقد قام المارشال فوش، أثناء الحرب العالمية الأولى، بإعدام مئات الجنود رميا بالرصاص من أجل " استعادة النظام في الجيش ".
من علامات الزمان: الجيش الجزائري طالب، بالعكس، برئيس مدني وبالاحترام التام للدستور

 

في الجزائر
أمر غريب: على قدر ما يشعر المرء بالشك، بأزمة ثقة في البلدان الغربية بشأن القدرة على مواجهة الأزمة، على قدر ما يشعر - ربما نتيجة للحراك ولعودة الأنفة - بالمزيد من الثقة بالنفس في الجزائر، وبتقلص حجم أحاسيس بخس الذات التي تعرضنا للأذى. هل يعود هذا أيضا لكون جميع البلدان تعاني نفس الأزمة، فيقع بالتالي تلاشي بعض الرواسم المنتشرة بشأن البلدان المتخلفة ؟ أم لأننا نكتشف، بمناسبة هذه الأزمة، قدراتنا، الاحتياطات الصحية المتراكمة، الكفاءات المتوفرة، طاقاتنا الاجتماعية، أي كل العوامل التي أسأنا تقييمها من قبل؟ ربما استطعنا أن نتغلب على هذه المحنة بأقل الأضرار؟ شعور يدب دبيبا...

خلاصة القول: البشرية تتقدم دائما نزولا عند الضرورة. تحت وطأة الوباء الحالي، وجدت مسائل كثيرة، كانت محل نقاش متجدد في الجزائر، حلولا بصورة طبيعية، مثل نظافة المدن، استعمال وسائل الدفع الالكتروني وغير ذلك. يتجند الناس في المدن والقرى وهم فخورون بالظهور على جبهة الكفاح ضد المرض. الأسلاك الصحية، الحماية المدنية، مصالح الأمن، مصالح النظافة: لا توجد مهام صغيرة وكل واحد يدرك ذلك وكأن الحراك يتواصل بنفس الاندفاع الوطني، لكن ضد الوباء هذه المرة. و ظهور عدد من مؤشرات الحداثة اليوم مثير للانتباه بلا شك: تلك التمارين التي يقوم بها عناصر الحماية المدنية مجهزين بأحدث الأجهزة، أساليب عمل الفرق الصحية ونظافة بدلاتهم الوقائية، استعمال التكنولوجيات، المبادرات المتزايدة عبر الوطن لصناعة الكمامات، الجسر الجوي نحو الصين ليجلب منها طيارو الإيليوشين، ذهابا وإيابا، أطنانا من المعدات، الالتزام بارتداء الكمامات في الإدارات، الخدمات، الجيش، الخ. هذه الصور التي تنم عن الحداثة، هل هي صور دعائية؟ قد تكون كذلك، إلا أن بعضها على الأقل يبدو واقعيا تماما.

التصدي لهذه الأزمة يظهر، بالنسبة لكل بلد، كأنه تحضير، في نفس الوقت، للخروج منها. رئيس الجمهورية محق في تأكيده على هذه النقطة، خلال زيارته مستشفى بني مسوس، وتشديده على استغلال هذا الظرف لتهيئة المستقبل وتصحيح أخطاء الماضي، لاسيما في مجال الصحة العمومية. لكن لماذا يجاري أحيانا غيره باستعمال الخلطة الفرنسية - العربية، العديمة الأناقة، البشعة، الملتبسة. شيء تفصيلي؟ غير أكيد. لن نلح. الرئيس تبون يريد طمأنة الجزائريين، بعث الثقة في قدراتهم. يبدو شاعرا بالحاجة إلى أسلوب سياسي جديد، أبسط وأكثر ديمقراطية. من المناسب، في هذا الاتجاه، أن يتفضل بوضع حد للأسلوب الفخم، الموروث عن عهد آخر، والذي ترمز إليه قاعة مجلس الوزراء. في البلدان الديمقراطية، تكفي عدة طاولات وكراسي لاجتماع الحكومة. حجم القاعة والتكلف العتيق لن يزيدا شيئا لأهمية مجلس الوزراء. الأمل معقود على تكريس تلك الإرادة المعلنة للتوجه نحو المزيد من التواضع وبالتالي المزيد من الفعالية والروح الديمقراطية في تسيير شؤون الدولة. إنه وجه آخر من وجوه الكفاح ضد كورونا، كفاح يضفي على الشعور بالمساواة والعدالة أبعادا حيوية، كونه يكشف اليوم عن قدرات كل أمة.

 

 

 الدكتور جمال لعبيدي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم: د. جمال لعبيدي

 

للحجر الصحي بسبب كورونا فضائل لا تقتصر على المجال الصحي وحده. لدينا الوقت، أو بالأحرى، لدى الذين لا يعانون مشاكل البقاء اليومي الوقت. لم يسبق، ربما في أي مكان على سطح الأرض، أن فكر الناس في معنى الأشياء والحياة بهذه الحدة، كأننا لم نفكر بالفعل أبدا، مستغرقين في دوامة يومياتنا. الجو اليوم في العالم جو إبداع، تنتقل فيه الأفكار عبر طرق الاتصالات بسرعة الضوء. هذا التفكير سيفضي حتما إلى شيء ما، نظرا للضخامة البادية على الذكاء الجماعي حاليا: ويكيبيديا عملاقة.
يعود الطيور إلى المدن. أمر مؤثر: أسمعها تزقزق في الحي السكني لأول مرة منذ مدة طويلة. يغمرني شعور غريب كما لو كنت أتفاعل معها. قد نصبح أكثر معقولية في المستقبل...
في البلاد، في كل مكان، نجتمع مساء كل يوم لمتابعة أرقام تطور الوباء ومقارنتها بأرقام بلدان أخرى. نفس الأحاسيس، نفس الارتياح عندما نلاحظ أن الوباء لم ينفجر، وخاصة نفس الشعور الأخوي الذي يتقاسمه جميع الجزائريين بلا شك، الممزوج بالشفقة على الضحايا وكأنهم نحن.

 

نعم للحجر، لا للحجر...
الحجر هو الكارثة الاقتصادية، بدون الحجر تقع الكارثة الصحية. لم يسبق أن عشنا معادلة كهذه. ما هي الحلول؟ يجري البحث لإيجاد حلول توفيقية بين المطلبين. النبأ السار هو تراجع ذاك الصلف، الذي ظهر في بعض البلدان عبر محاولة التضحية بكبار السن على مذبح المتطلبات الاقتصادية. لكن المشكل الاقتصادي باق ومقلق للغاية ولا ينبغي غض الطرف عنه. الفيروس يمارس التمييز العمري والبعض يقترح رفع الحجر عن الشباب أولا: قد يكون هذا أحد الحلول، لكن كيف يطبق؟
الحياة الاقتصادية تمارس، من جانبها، تمييزا آخر، التمييز الاجتماعي، على مستوى انعكاسات الحجر الصحي، البطالة، ظروف السكن والهشاشة الاجتماعية، بصورة عامة. هناك تطاحن بين الإحيائي والاجتماعي. إنه وضع غير مألوف ويتطلب حلولا غير مألوفة. هل البشرية على موعد مع منعرج في مسارها التاريخي؟
ها هي ذهنية القلعة المحاصرة. الفيروس يحوم خارج الجدران. يجب أن نغادر الحجر يوما ما، أن نخرج ونجابه العدو، أن نجابه الفيروس وجها لوجه. لحظة هذيان.

 

من سخريات التاريخ
عودة إلى الواقع. من سخريات التاريخ: كل هذا يحدث في الوقت الذي يشهد العالم عجزا ديمقراطيا أو يشعر بالحاجة إلى ديمقراطية أعمق وأحدث. في كل مكان، برزت حركات شعبية، "حراكات "، راحت تنمو ويشتد عودها بمساعدة شبكات التواصل الاجتماعي، أي بفضل التنمية التكنولوجية. هل في هذا حل لذاك المشكل؟ هل نتوقع أن تعاني الديمقراطية السياسية من الوضع الراهن ما دامت، من حيث التعريف، تعتمد على الحوار، على حرية التعبير وتجلياتها، بما فيها المظاهرات والتجمعات؟ كيف التوفيق بينها وبين الحجر؟، مشكل آخر مستجد: هل ستتولى شبكات التواصل الاجتماعي مسؤوليته؟ كأن التكنولوجيات الجديدة جاءت في الوقت الذي لا نملك بديلا عنها.
في فرنسا الآن التعليمة الرسمية تنص على أن يكون الشخص خارج بيته مقنعا، مغطى ومرتديا قفازات أيضا. أمر يبعث على التبسم. لنتذكر تلك الحملات الشعواء، الجنونية، التي جندت مجموع الطبقة السياسية الفرنسية أو يكاد ضد الحجاب، النقاب، لصرف انتباه الناس عن المشاكل الحقيقية. عجبا ! ألم يعد غطاء الوجه خطرا على الأمن الوطني، مؤشرا على اضطهاد وتعبيد المرأة... كم يبدو كل ذلك سخيفا اليوم بعد أن جاءت كورونا ووضعت النقاط على الحروف.
لا شيء كان يبدو قادرا على وقف قوات التدخل الغربية، خاصة أبرز رموزها وهي حاملات الطائرات. سخرية التاريخ هنا كذلك: حاملة الطائرات "ثيودور روزفلت" وحاملة الطائرات "شارل ديغول" متوقفتان بفعل... كورونا، التي أجبرتهما على العودة إلى مرفئيهما من أجل الحجر.
بعض النخب من بلاد المغرب وإفريقيا عموما تعودت على التنقل للعلاج، في رحلة شبه سرية، إلى باريس. الجزائر معنية أيضا بهذا الأمر، بالرغم من نوعية السلك الطبي في البلاد، وحتى العديد من المنشآت الاستشفائية، سواء في القطاع العام أو في القطاع الخاص. كان هؤلاء يشدون الرحال لمجرد إصابة بالشلال أو فتق أو بروستاتة. ومهما حاول الأطباء الفرنسيون إقناعهم بأن ما يقومون به بإمكان زملائهم الجزائريين القيام به، إلا أنهم كانوا يعيدون الكرّة المرة تلو الأخرى. وها هو عدد هام من هؤلاء وجد نفسه عالقا بالخارج، متلبسا جنحة الارتياب في بلده، مرعوبا جراء انتشار الوباء بسرعة البرق في فرنسا وأوروبا ومستعجلا العودة إلى البلد. وها هم الآن يرغون ويزبدون ضد حبهم السابق الذي خيب ظنهم، ضد "بلدان أوربية لا تملك كمامات ولا وسائل الكشف وتتصرف مثل آخر بلد متخلف". آه كورونا آه...

 

العلم والسياسة
الأطباء العامون ماجين غادين على التلفزيونات الفرنسية. إنهم ينتقمون من الاختصاصيين والأساتذة، انتقام فاقدي الرتب وضباط الصف من الضباط السامين والجنرالات. الجدل محتدم. كل واحد يطمح إلى إنقاذ العالم، يقترح حلا أو يعتقد أن فرصة البروز قد لاحت أخيرا. السجال حول الأستاذ رؤولت، وعلاجه يأخذ أبعادا سياسية، دون أن نعرف من المستهدف بالضبط، أهو الشخص أم العلاج. ولكن لماذا لم يشكل الأستاذ رؤولت مجموعة شاهدة، التي يتطلبها المنهج العلمي؟ لغز محير.
عندما تختلط السياسة بالعلم، نكون أمام مؤشر على أزمة عميقة في المجتمع، على بلبلة تنم عن تراجع العقلاني أمام العقائدي، بل وحتى الخرافي. العقل الديكارتي الشهير يتلقى ضربة جسيمة، ويعود جو الأوبئة والذعر الذي ميز العصور الوسطى. هناك من يؤمن بعلاج ما وهناك من لا يؤمن. وهناك من يطالب بحق المريض في اختيار علاجه بنفسه. وهناك من ذهب إلى حد إجراء سبر آراء عدد من الفرنسيين بشأن العلاج المقترح من الأستاذ رؤولت، في حين نشر وزير سابق للصحة - وهو طبيب - عريضة على الانترنت تأييدا لنفس العلاج...
في ظل العجز المسجل على مستوى الكمامات، تقدم أطباء وحتى بعض الأساتذة من المقربين جدا من صناع القرار، ليقولوا في التلفزيون بأن " الكمامات غير نافعة للأصحاء "، الأمر الذي أثار سخط زملائهم. الفضيحة كبرت وتحولت إلى فضيحة سياسية. موقف السلطة من قضية الكمامات ازداد تعقيدا بالرغم من التفسيرات المقدمة: من يخلط في الخطأ يعمقه. بعض الأطباء والأساتذة يجازفون في الكلام تحت وطأة كثرة الظهور، وبعضهم الآخر يستسلم للجو النفسي المضطرب الذي يسود في الوقت الراهن. الفيروس مجهول وهم يقولون أي شيء بشأنه، مثل عامة الناس، والناس يكتشفون أن الطبيب شيء والعلمي شيء آخر.
كل مساء، على الساعة الثامنة، يصفق السكان من شرفاتهم لتشجيع السلك الطبي. كانت البداية من إيطاليا، ثم انتشر ذلك في أوربا. العالم يقر بالجميل. في الجزائر أيضا، لم يسبق أن حاز سلك مهني ما على هذا القدر من المحبة والاحترام. إنهم أبطال ساحة المعركة ضد كورونا، بطولة جديدة، يومية، بعيدة عن قرع الطبول.

الأستاذ رؤولت

الأستاذ رؤولت يزداد شهرة في البلاد المغربية والإفريقية، لاسيما وأنه صرح مؤخرا أن " لا علم فرنسي من دون الباحثين المهاجرين أو المغتربين العرب والأفارقة ". لهذا الأستاذ هيئة الفنان والعالم في آن واحد. سبق أن وجهت له أكثر من مرة، حسب ويكيبيديا، تهمة الغش والتلاعب بالمعطيات العلمية. وجرى منعه من النشر، في 2006، في مجلة الجمعية الأمريكية للبيولوجيا. ومع ذلك، له معجبون بين الشباب بسبب مقاومته للأعراف. وكدليل على تفتحه الذهني، بالمقارنة مع الموقف السائد في فرنسا، يشار إلى أنه يكون قد عارض منع الحجاب في معهده، وهناك فيديو متداولة على نطاق واسع بالجزائر. إنه يقول كذلك بأن " الأفارقة والعرب أكثر عملا وأحسن تكوينا وهم الأفضل ". طق ! للذين لا يتوقفون عن النواح على " منظومة التكوين المنكوبة " ولا يعترفون بأفضالها إلا عندما تسمح لهم بالعمل والاعتراف في الخارج. إن ما يقوله الأستاذ رؤولت يرفع من شأننا، بالتأكيد، ولكن هناك مشكل. والمشكل هو أن الأستاذ رؤولت ومعهده، " المعهد الإستشفائي – الجامعي للبحر المتوسط "، يعملان عمل المضخة الجاذبة لهجرة الكفاءات، وبالتالي لنهب مواردنا البشرية التي كلف تكوينها أثمانا باهظة. قد يسرع البعض إلى تكرار الرد المعتاد بأن ذلك سيعود علينا بالفائدة مستقبلا. غير أن هذه الفائدة طال قدومها عشرات السنين. المعهد المذكور مؤسسة ضخمة، ممولة بصورة رئيسية من طرف السلطات الفرنسية، من بينها الجيش. وهي ذات طاقة تفوق الغرض منها وتقع قبالة إفريقيا وتعمل كآلة لإنتاج المنشورات. وقد أمضى فيها العديد من العلميين الجزائريين الشباب فترات تدريب بتوجيه من أساتذتهم الجزائريين. وهي تمثل للراغبين في المغادرة وسيلة هامة جدا تمكنهم من الحصول بسرعة على تأشيرة ونشر بعض الدراسات، تمهيدا للاندماج في الخارج وذلك إلى تاريخ ظهور... كورونا، على الأقل. في المقابل، سمح كل ذلك للمعهد وللأستاذ رؤولت شخصيا بالاستفادة من شبكة تعاطف متينة في بلاد المغرب، يتجلى أثرها اليوم عبر الثقة الممنوحة للعلاج الذي يقترحه وعبر التأييد الذي يحظى به الأستاذ نفسه.
في فرنسا ترتفع حاليا أصوات تطالب الجيش بالتدخل، مصرحة بأن تسيير الأزمة الصحية ثم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية عن قريب، يتطلب وجود سلطة حقيقية " مركز قيادة، مارشال فوش ". للتذكير، فقد قام المارشال فوش، أثناء الحرب العالمية الأولى، بإعدام مئات الجنود رميا بالرصاص من أجل " استعادة النظام في الجيش ".
من علامات الزمان: الجيش الجزائري طالب، بالعكس، برئيس مدني وبالاحترام التام للدستور

 

في الجزائر
أمر غريب: على قدر ما يشعر المرء بالشك، بأزمة ثقة في البلدان الغربية بشأن القدرة على مواجهة الأزمة، على قدر ما يشعر - ربما نتيجة للحراك ولعودة الأنفة - بالمزيد من الثقة بالنفس في الجزائر، وبتقلص حجم أحاسيس بخس الذات التي تعرضنا للأذى. هل يعود هذا أيضا لكون جميع البلدان تعاني نفس الأزمة، فيقع بالتالي تلاشي بعض الرواسم المنتشرة بشأن البلدان المتخلفة ؟ أم لأننا نكتشف، بمناسبة هذه الأزمة، قدراتنا، الاحتياطات الصحية المتراكمة، الكفاءات المتوفرة، طاقاتنا الاجتماعية، أي كل العوامل التي أسأنا تقييمها من قبل؟ ربما استطعنا أن نتغلب على هذه المحنة بأقل الأضرار؟ شعور يدب دبيبا...

خلاصة القول: البشرية تتقدم دائما نزولا عند الضرورة. تحت وطأة الوباء الحالي، وجدت مسائل كثيرة، كانت محل نقاش متجدد في الجزائر، حلولا بصورة طبيعية، مثل نظافة المدن، استعمال وسائل الدفع الالكتروني وغير ذلك. يتجند الناس في المدن والقرى وهم فخورون بالظهور على جبهة الكفاح ضد المرض. الأسلاك الصحية، الحماية المدنية، مصالح الأمن، مصالح النظافة: لا توجد مهام صغيرة وكل واحد يدرك ذلك وكأن الحراك يتواصل بنفس الاندفاع الوطني، لكن ضد الوباء هذه المرة. و ظهور عدد من مؤشرات الحداثة اليوم مثير للانتباه بلا شك: تلك التمارين التي يقوم بها عناصر الحماية المدنية مجهزين بأحدث الأجهزة، أساليب عمل الفرق الصحية ونظافة بدلاتهم الوقائية، استعمال التكنولوجيات، المبادرات المتزايدة عبر الوطن لصناعة الكمامات، الجسر الجوي نحو الصين ليجلب منها طيارو الإيليوشين، ذهابا وإيابا، أطنانا من المعدات، الالتزام بارتداء الكمامات في الإدارات، الخدمات، الجيش، الخ. هذه الصور التي تنم عن الحداثة، هل هي صور دعائية؟ قد تكون كذلك، إلا أن بعضها على الأقل يبدو واقعيا تماما.

التصدي لهذه الأزمة يظهر، بالنسبة لكل بلد، كأنه تحضير، في نفس الوقت، للخروج منها. رئيس الجمهورية محق في تأكيده على هذه النقطة، خلال زيارته مستشفى بني مسوس، وتشديده على استغلال هذا الظرف لتهيئة المستقبل وتصحيح أخطاء الماضي، لاسيما في مجال الصحة العمومية. لكن لماذا يجاري أحيانا غيره باستعمال الخلطة الفرنسية - العربية، العديمة الأناقة، البشعة، الملتبسة. شيء تفصيلي؟ غير أكيد. لن نلح. الرئيس تبون يريد طمأنة الجزائريين، بعث الثقة في قدراتهم. يبدو شاعرا بالحاجة إلى أسلوب سياسي جديد، أبسط وأكثر ديمقراطية. من المناسب، في هذا الاتجاه، أن يتفضل بوضع حد للأسلوب الفخم، الموروث عن عهد آخر، والذي ترمز إليه قاعة مجلس الوزراء. في البلدان الديمقراطية، تكفي عدة طاولات وكراسي لاجتماع الحكومة. حجم القاعة والتكلف العتيق لن يزيدا شيئا لأهمية مجلس الوزراء. الأمل معقود على تكريس تلك الإرادة المعلنة للتوجه نحو المزيد من التواضع وبالتالي المزيد من الفعالية والروح الديمقراطية في تسيير شؤون الدولة. إنه وجه آخر من وجوه الكفاح ضد كورونا، كفاح يضفي على الشعور بالمساواة والعدالة أبعادا حيوية، كونه يكشف اليوم عن قدرات كل أمة.

 د. جمال لعبيدي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

     

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم: د. جمال لعبيدي

 

    الأستاذ رؤولت 

الأستاذ رؤولت يزداد شهرة في البلاد المغربية والإفريقية، لاسيما وأنه صرح مؤخرا أن " لا علم فرنسي من دون الباحثين المهاجرين أو المغتربين العرب والأفارقة ". لهذا الأستاذ هيئة الفنان والعالم في آن واحد. سبق أن وجهت له أكثر من مرة، حسب ويكيبيديا، تهمة الغش والتلاعب بالمعطيات العلمية. وجرى منعه من النشر، في 2006، في مجلة الجمعية الأمريكية للبيولوجيا. ومع ذلك، له معجبون بين الشباب بسبب مقاومته للأعراف. وكدليل على تفتحه الذهني، بالمقارنة مع الموقف السائد في فرنسا، يشار إلى أنه يكون قد عارض منع الحجاب في معهده، وهناك فيديو متداولة على نطاق واسع بالجزائر. إنه يقول كذلك بأن " الأفارقة والعرب أكثر عملا وأحسن تكوينا وهم الأفضل ". طق ! للذين لا يتوقفون عن النواح على " منظومة التكوين المنكوبة " ولا يعترفون بأفضالها إلا عندما تسمح لهم بالعمل والاعتراف في الخارج. إن ما يقوله الأستاذ رؤولت يرفع من شأننا، بالتأكيد، ولكن هناك مشكل. والمشكل هو أن الأستاذ رؤولت ومعهده، " المعهد الإستشفائي – الجامعي للبحر المتوسط "، يعملان عمل المضخة الجاذبة لهجرة الكفاءات، وبالتالي لنهب مواردنا البشرية التي كلف تكوينها أثمانا باهظة. قد يسرع البعض إلى تكرار الرد المعتاد بأن ذلك سيعود علينا بالفائدة مستقبلا. غير أن هذه الفائدة طال قدومها عشرات السنين. المعهد المذكور مؤسسة ضخمة، ممولة بصورة رئيسية من طرف السلطات الفرنسية، من بينها الجيش. وهي ذات طاقة تفوق الغرض منها وتقع قبالة إفريقيا وتعمل كآلة لإنتاج المنشورات. وقد أمضى فيها العديد من العلميين الجزائريين الشباب فترات تدريب بتوجيه من أساتذتهم الجزائريين. وهي تمثل للراغبين في المغادرة وسيلة هامة جدا تمكنهم من الحصول بسرعة على تأشيرة ونشر بعض الدراسات، تمهيدا للاندماج في الخارج وذلك إلى تاريخ ظهور... كورونا، على الأقل. في المقابل، سمح كل ذلك للمعهد وللأستاذ رؤولت شخصيا بالاستفادة من شبكة تعاطف متينة في بلاد المغرب، يتجلى أثرها اليوم عبر الثقة الممنوحة للعلاج الذي يقترحه وعبر التأييد الذي يحظى به الأستاذ نفسه.

في فرنسا ترتفع حاليا أصوات تطالب الجيش بالتدخل، مصرحة بأن تسيير الأزمة الصحية ثم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية عن قريب، يتطلب وجود سلطة حقيقية " مركز قيادة، مارشال فوش ". للتذكير، فقد قام المارشال فوش، أثناء الحرب العالمية الأولى، بإعدام مئات الجنود رميا بالرصاص من أجل " استعادة النظام في الجيش ".

من علامات الزمان: الجيش الجزائري طالب، بالعكس، برئيس مدني وبالاحترام التام للدستور.

     

في الجزائر

أمر غريب: على قدر ما يشعر المرء بالشك، بأزمة ثقة في البلدان الغربية بشأن القدرة على مواجهة الأزمة، على قدر ما يشعر - ربما نتيجة للحراك ولعودة الأنفة - بالمزيد من الثقة بالنفس في الجزائر، وبتقلص حجم أحاسيس بخس الذات التي تعرضنا للأذى. هل يعود هذا أيضا لكون جميع البلدان تعاني نفس الأزمة، فيقع بالتالي تلاشي بعض الرواسم المنتشرة بشأن البلدان المتخلفة ؟ أم لأننا نكتشف، بمناسبة هذه الأزمة، قدراتنا، الاحتياطات الصحية المتراكمة، الكفاءات المتوفرة، طاقاتنا الاجتماعية، أي كل العوامل التي أسأنا تقييمها من قبل؟ ربما استطعنا أن نتغلب على هذه المحنة بأقل الأضرار؟ شعور يدب دبيبا...

خلاصة القول: البشرية تتقدم دائما نزولا عند الضرورة. تحت وطأة الوباء الحالي، وجدت مسائل كثيرة، كانت محل نقاش متجدد في الجزائر، حلولا بصورة طبيعية، مثل نظافة المدن، استعمال وسائل الدفع الالكتروني وغير ذلك. يتجند الناس في المدن والقرى وهم فخورون بالظهور على جبهة الكفاح ضد المرض. الأسلاك الصحية، الحماية المدنية، مصالح الأمن، مصالح النظافة: لا توجد مهام صغيرة وكل واحد يدرك ذلك وكأن الحراك يتواصل بنفس الاندفاع الوطني، لكن ضد الوباء هذه المرة. و ظهور عدد من مؤشرات الحداثة اليوم مثير للانتباه بلا شك: تلك التمارين التي يقوم بها عناصر الحماية المدنية مجهزين بأحدث الأجهزة، أساليب عمل الفرق الصحية ونظافة بدلاتهم الوقائية، استعمال التكنولوجيات، المبادرات المتزايدة عبر الوطن لصناعة الكمامات، الجسر الجوي نحو الصين ليجلب منها طيارو الإيليوشين، ذهابا وإيابا، أطنانا من المعدات، الالتزام بارتداء الكمامات في الإدارات، الخدمات، الجيش، الخ. هذه الصور التي تنم عن الحداثة، هل هي صور دعائية؟ قد تكون كذلك، إلا أن بعضها على الأقل يبدو واقعيا تماما.

التصدي لهذه الأزمة يظهر، بالنسبة لكل بلد، كأنه تحضير، في نفس الوقت، للخروج منها. رئيس الجمهورية محق في تأكيده على هذه النقطة، خلال زيارته مستشفى بني مسوس، وتشديده على استغلال هذا الظرف لتهيئة المستقبل وتصحيح أخطاء الماضي، لاسيما في مجال الصحة العمومية. لكن لماذا يجاري أحيانا غيره باستعمال الخلطة الفرنسية - العربية، العديمة الأناقة، البشعة، الملتبسة. شيء تفصيلي؟ غير أكيد. لن نلح. الرئيس تبون يريد طمأنة الجزائريين، بعث الثقة في  قدراتهم. يبدو شاعرا بالحاجة إلى أسلوب سياسي جديد، أبسط وأكثر ديمقراطية. من المناسب، في هذا الاتجاه، أن يتفضل بوضع حد للأسلوب الفخم، الموروث عن عهد آخر، والذي ترمز إليه قاعة مجلس الوزراء. في البلدان الديمقراطية، تكفي عدة طاولات وكراسي لاجتماع الحكومة. حجم القاعة والتكلف العتيق لن يزيدا شيئا لأهمية مجلس الوزراء. الأمل معقود على تكريس تلك الإرادة المعلنة للتوجه نحو المزيد من التواضع وبالتالي المزيد من الفعالية والروح الديمقراطية في تسيير شؤون الدولة. إنه وجه آخر من وجوه الكفاح ضد كورونا، كفاح يضفي على الشعور بالمساواة والعدالة أبعادا حيوية، كونه يكشف اليوم عن قدرات كل أمة

modal